نظارات ميتا الذكية تثير جدلاً عالمياً حول الخصوصية والمراقبة
أثارت النظارات الذكية من شركة ميتا جدلاً واسعاً حول انتهاك الخصوصية والمراقبة الجماعية، بعد انتشار تقارير عن تصوير سري للنساء والشباب. وفي ظل المبيعات المتزايدة لهذه الأجهزة، تتسارع الحكومات والمنظمات لوضع ضوابط قانونية تحد من استخدامها في الأماكن العامة.
أثارت النظارات الذكية المطورة من قبل شركة "ميتا"، وتحديداً طرازي "راي-بان" و"أوكلّي"، موجة من القلق العالمي بشأن انتهاك الخصوصية والمراقبة غير المرئية. وتشير التحليلات الحديثة إلى أن هذه الأجهزة، التي صُممت لتبدو كنظارات عادية لكنها مجهزة بكاميرات خفية وميكروفونات ومكبرات صوت، تُستخدم بشكل متزايد لتصوير الأشخاص دون علمهم أو موافقتهم، مما دفع دولاً متعددة ومنظمات حقوقية لاتخاذ إجراءات تشريعية وقانونية صارمة للحد من انتشارها.
وصلت هذه الأجهزة إلى الأسواق في أكثر من عشرين دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا والبرازيل، مع تسجيل مبيعات تجاوزت سبعة ملايين وحدة العام الماضي، وهو رقم يتجاوز ثلاثة أضعاف مبيعات السنة السابقة. ويعزو الخبراء هذا النمو السريع إلى الحملات التسويقية التي شاركت فيها شخصيات مشهورة مثل كيلي جينر وكريس همسوورث وكريس برايت. ومع ذلك، بدأت الآثار الجانبية لهذه الانتشار تظهر بشكل جليّ، حيث سجلت حالات متعددة من الملاحقة والتحرش عبر الفيديو.
في المملكة المتحدة، كشفت فتاة تُدعى "أوناغ" عن تعرضها لمضايقات خطيرة بعد أن التقط رجل مجهول صورة لها في الشاطئ باستخدام النظارات الذكية دون علمها. وبعد رفضها إعطاء بياناتها الشخصية، تلقّت فيديو للتفاعل بينهما على منصة "تيك توك"، حصد نحو مليون مشاهدة وتعليقات مسيئة. وأوضحت أنها شعرت بالذعر وفقدت الثقة في الخروج إلى الأماكن العامة، مشيرة إلى أن الشرطة أبلغتها بأن التصوير في الأماكن العامة لا يعتبر جريمة في الوقت الراهن.
وفي حالات مماثلة، ذكرت فتاة أخرى تُدعى "كايت" أنها تعرضت لمضايقات مشابهة في صالة رياضية، حيث التقط رجل صورة لها دون إذن، ونشرها على المنصات الاجتماعية بحوالي خمسين ألف مشاهدة وتعليقات هادفة للإساءة. وأكدت أن الشعور بالانتهاك كان شديداً لأنها لم توافق على أي من مراحل التصوير أو النشر.
ويرى خبراء في مجال التواصل الرقمي، مثل البروفيسور نونو كورييا دي برييتو من جامعة ليريا وجامعة لشبونة الجديدة، أن هذه التكنولوجيا تعيد تعريف الحدود بين الفضاء العام والخاص. وأشار إلى أن التقنيات الحديثة تساهم في طمس الفروق التقليدية، مما يعرض الحقوق المكتسبة في الدساتير الديمقراطية للخطر. كما حذر من أن الاستخدام المتزايد لهذه الأجهزة قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ"المulti-سينوبتيكون" أو المراقبة المتبادلة، حيث يصبح الجميع مراقبين ومُراقَبين في آن واحد.
وأظهرت دراسة أجراها باحثون من جامعة سيدني في أستراليا على 350 فيديو تم التقاطها بين عامي 2023 و2026 أن نحو 60% من الحالات تضمنت مؤشرات على التحرش، بينما احتوى 43% منها على إساءات أو معلومات شخصية حساسة. وأشارت الباحثة ميلكا ستيلينوفيتش إلى أن التكنولوجيا تتقدم بسرعة تفوق قدرة الجهات التنظيمية على معالجة الأضرار بعد وقوعها، داعية الشركات الكبرى إلى إبطاء وتيرة إطلاق المنتجات الجديدة حتى يتم وضع أطر تنظيمية واضحة.
في البرازيل، أدى استخدام هذه النظارات إلى اعتقال طبيب في مدينة سلفادور بتهمة تصوير فحوصات النساء دون موافقتهن، بحجة أن الصور ستُستخدم لأغراض بحثية. ورغم اعترافه بالأمر، أُفرج عنه بعد يومين لعدم كفاية الأدلة المباشرة في تلك المرحلة، مما سلط الضوء على الثغرات القانونية القائمة.
من جانبها، أكدت "ميتا" أن نظاراتها مزودة بلمبة LED تنير عند التصوير لتوضيح عملية التسجيل، وأن لديها تقنية لمنع تغطية هذه اللمبة. كما أعلنت عن تحديثات برمجية تجبر على تعطيل الكاميرا إذا تم العبث باللمبة، ومنعت حسابات على إنستغرام نشرت فيديوهات تحرش. ومع ذلك، كشفت تحقيقات صحفية سويدية أن عمالة شركة "ساما" المقاولَة من قبل "ميتا" في كينيا كانت تنظر في محتوى يتضمن صوراً عارية ومعلومات بنكية خاصة، مما أدى إلى رفع دعاوى قضائية في كاليفورنيا بتهمة الإعلان المضلل وانتهاك الخصوصية.
وتتخذ الحكومات والمنظمات إجراءات متزايدة للحد من هذه المخاطر. ففي المملكة المتحدة، حظرت عدة مطاعم ونوادي استخدام النظارات للتصوير داخل منشآتها، وتشهد حملة "Stop Smart Glasses" تزايداً في التواقيع للمطالبة بوقف المبيعات. وفي ألمانيا، تم حظر استخدام الأجهزة في المسابح والساونا في بعض المدن، وقدمت منظمة "HateAid" شكوى جنائية ضد "ميتا" وموزعي النظارات لانتهاك قوانين الاتصالات وحماية البيانات.
كما حظرت أوسلو عاصمة النرويج استخدام النظارات في المدارس، وتدرس الحكومة البريطانية إمكانية حظر ميزات التعرف على الوجوه في الأماكن العامة. وفي إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، تزداد الدعوات لتشريعات أكثر صرامة. وأشار رئيس جمعية "D3" للدفاع عن الحقوق الرقمية، ريكاردو لافوينتي، إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في التصوير السري، بل في معالجة البيانات الضخمة التي تجمعها هذه الأجهزة ومعالجتها عبر خوادم الشركات، مما يخلق ملفات شخصية دقيقة للأفراد دون علمهم.
وحذر من أن الشفافية مفقودة تماماً حول كيفية تخزين هذه الصور ومعالجتها، مشيراً إلى أن الاعتماد على عمالة رخيصة لمراجعة المحتوى يتناقض مع ادعاءات الذكاء الاصطناعي المتقدم. ودعا إلى فرض آليات واضحة تجعل المستخدمين يدركون وجود كاميرات قريبة، مقترحاً إدخال إنذارات صوتية أو ضوئية قوية، مستشهداً بتجربة كوريا الجنوبية التي تفرض تحذيرات صوتية إلزامية عند التصوير في المواصلات العامة.
وفي ختام التطورات، أكد الخبراء أن النماذج التنظيمية الحالية التي تعتمد على الرقابة اللاحقة غير كافية، وأن هناك حاجة ماسة إلى قوانين واضحة تحدد متى وكيف يمكن استخدام هذه الأجهزة في الفضاء العام، لحماية الحقوق الأساسية من الانتهاك المستمر.
W.Bakr--CdE